الفتى الجنوبي
بقلم الأستاذ عبد الجليل العميري
هذا الفتى الآتي من الجنوب، في رحلة الكلمة، يتحدى إعاقته و يرسم حلمه الآتي من أعماق الروح…أذكره طالبا رافعا يده لاصطياد الأجوبة،حيث لا تعوزه الإجابة، أحرزم احترام زملائه بجدارة، و احترام أساتذته…تحدى الصعاب و حصل على الباكلوريا…ثم هاجر نحو الجامعة… كانت البداية صعبة:(توجيه خاطئ) كما قال، فتحول في النهاية إلى شعبة الأدب العربي حيث "سيحقق ذاته" كما يحب أن يقول…
شهية القراءة لديه ستفتح أفقا آخر: شهية الكتابة…و يفوز بأولى جوائزه –الصغيرة – في مسابقة محلية نظمتها جمعية "الجسر للثقافة و التربية" بتيزنيت…ويولد قصاص مشاغب له شهية لتناول كل المواضيع: النفسي منها، و الاجتماعي، و السياسي، أحيانا بلغة "مباشرة" تقول لدرجة الفضح، و أحيانا نشم فيها روائح العتاقة و الأصالة، يستدعي شخوصه من نماذج اجتماعية قريبة منا (المشرد مثلا، او المنتخب…)أو نماذج تراثية (أسماء عربية أصيلة). و يراكم سطوره، ليراكم قصصه و تجربته يسعى الآن إلى الخروج من دائرة القراء/الأصدقاء، إلى دائرة القراءة/المتلقي العام، أنا أراهن أنه سيحظى بتقدير الكثيرين…فشهية القراءة عنده، ستجعل نصوصه تفوح بروائح "مدن الملح" و "مائة عام من العزلة" و "نشيد الموت أو وليمة لأعشاب البحر" و عشرات، إن لم أقل مائات النصوص العربية و العالمية…
و الأكيد أن كتابته ستكون "وليمة لغوية:شيقة، و مغامرة شاب صامد و مناضل يحفر إسمه في صخرة المستقبل…
***************************
قبل البدء :
كلمات على أهذاب الذاكرة
ألملم شهقات الموج و بسمات القمر لأخط على جبين الذاكرة نقوشا تنبض حبا و تقديرا لذلك الإنسان الذي أفنى زهرة شبابه في إنارة سبيلي و غرس في روعي عشق القرطاس و القلم..أبي الحنون و تحية خاصة مني إلى الأيادي المغروسة قي الطين و إلى كل المعتقلين و العمال و الفلاحين و السائرين على درب الحرية.
المؤلف
عـادل أوتنيل
*******************************
عرس الدم
تسكع بين دروب الهزيمة و طرق أبوابا هلامية تنفتح عن مواخير صاخبة، فتفسخت جراحه و صفعته بشدة، وسقته كأسا ممزوجا بالنضال ثم وضعت في كفه خنجرا، يتوق إلى ذبح الجلاد..علمته الحياة كيف يحفر بزنده قبر الطغاة و يزرع فتافيت دمعه في بيداء مجدبة لتصير حمما بركانية تقتلع جثثهم العفنة و ترميها إلى مزبلة التاريخ ..يمضي نحو هدفه بخطى وئيدة تتشمم عبق الاستشهاد..اليوم فقط يحس بأن أباه قد أعقب جبلا عملاقا يتحدى الأعاصير و يسحقها بكلنا راحتيه ليمسط رحيقا فواحا ينعش حورا حسانا تلتقط السحاب لتغزل قصيدة تفور وهياجا..صوت محبوب يتقد في ذهنه فيتشبت بذيله رغبة في لملمة خيوط صورة تناثرت شظاياها فوق رمال ذاكرة ابتلعت معانيا جفت الدماء في عروقها فصعدت آهة أليمة مغموسة في آخر ما تبقى من قطيرات الأمل.
-لم يخب رجائي فيك يا ولدي..و كأني بك قد ارتويت أخيرا من أفكار أبيك حتى صارت منك بمنزلة الدم من الجسد .. ولكن تذكر بأن طريق النصر محفوف بالمهالك و الأهوال فكن يا رشيد شوكة تقض مضجع أعداء الشعب، و حساما بتارا مسلطا على رقابهم.
شيعة أمه بهذه الكلمات الملتهبة التي لامست شغاف نفسه فحفرت أخدودا عميقا تركض عبره أحاسيس مكلومة مفجوعة هربت من طاحونة القهر و كادت تفتك بها عناكيب اليأس لولا سرب صقور غاصت في حمرة الشفق فاستلت نجوما متلألئة يناغيها صوت أمه المتدفق نضالا و صمودا..انه لعاجز عن وصف تلك اللحظات المتجهمة التي طاردته بلا رحمة و ألقت عليه القبض و ابتسامة المكر تشطح في عينيها ثم زجت به في زنزانة يتناوب حراسها الأشراس على اغتصاب اقحوانة آماله فسقط القناع عن وجه الحقيقة فرآها ذميمة قبيحة..قطار يلتهم الأرض في سرعة جنونية و يقذف جيشا من شباب في نضارة الورد يتأبطون شهادات تثبت مسيرتهم الشاقة في تحصيل العلم فكان مصيرهم أن زرعت رقابهم فوق سكة البطالة حتى تكون عبرة لكل كادح يقطر صدره بعطر ازاهير متماوجة تقبل ثغر أشعة شمس نسجت من أحلام واحة ثمارها وظيفة محترمة تقي الإنسان هجير الفقر و رمضاء الحرمان.. حفنة من ذئاب خساس لئام تعقد اجتماعا سريا في غفلة من الشعب و بمباركة الليل فتسطو على الحمائم و تذبحها بوحشية التتار و ترش دمائها فوق عتبات الفجر حتى تفزع الصبيان فلا يهرعوا لاستقبال أناشيده الحماسية و تطلق العيون لإعدام كل من يتلصلص خلف الباب..قرود ترتدي ربطات العنق و تتقافز نشوة و فرحا كلنا شيدت قصرا على أنقاض جماجم أضناها الجري وراء الرغيف .. وعدته الحياة ببنية يرتسم القمر على وجنتيها و يسيل ريقها بمدامة أحلى من الشهد وبعد طول انتظار تمخض الحلم عن طفلة شوهاء تقتات على رفات آماله و تتوكأ على عكاز البطالة فاقتحم سدرها و أوشك أن يسمل مقلتيها لكن وجدها تطحر تحت جثة خنازير يغتصبونها فأشهر الصمصام في وجوههم و نذر أن يضرب الأرض بحثا عنهم و يقتص لكل عامل شردوه و لكل فلاح جوعوه فعدالة القضية سنديانة عظيمة يؤمها جميع المنبوذين و المقهورين، قطع حبل تفكيره ضجيج عصبة من السكارى..التفوا حوله و انهمكوا في غناء و عربدة كما أمطروه بوابل من القبل، فابتسم في امتعاض و ألم و تسامق الخجل إلى نفسه ووخز شرنقة الذكريات فتقيحت حقبة مشؤومة في مسامه عاقر خلالها كافة المسكرات و عاشر أعلام الصعاليك ولن يبتلع النسيان يوما ضبطته أمه في إحدى البيوت المشبوهة وقد لعب الحشيش برأسه فطفق يرقص على دقات القوارير الفارغة و الزغاريد المكتنزة و التصفيق الحار الملتهب، بدت له أمه كمارد جبار أخرس الموسيقى الصاخبة و أشاع الوجوم و الترقب..لم يستطيع مقاومة نظراتها الجامدة المعاتبة فطأطأ برأسه و الخزي يستشري في كيانه قالت بصوت متهدج يبلله رذاذ البكاء:
-لماذا يا ولدي تتلذذ بتعذيبي في أواخر أيامي؟..لماذا تجعلني احمل غصة الألم إلى نعشي؟..ان قلبي ليذرف دموعا غزارا لأني أرى حلم أبيك الأوحد يحتضر أمام ناظري..استشهد في ساحة الوغى وهو يقاتل الفرنسيس ببسالة الأبطال..كان يريدك أن تصبح ليثا كاسرا يحمل عنه راية النضال من أجل حرية الإنسان في كل مكان فإذا بك-ويا للأسف-تتخاذل حتى عن انتزاع حقك..ان فجيعتي فيك لعظيمة سامحك الله يا ولدي .. سامحك الله.
و يومها –و لأول مرة-رآها تسفح عبرات بلوعة و حسرة كطفلة بريئة لغتها حياة الزمان فاحاطها بذراعيه و لسانه يلهج بأنه سيصبح إنسانا جديدا..
هاهي ذي الساعة قد أزفت حناجر فتية تشق صماخ الكون بخناجر هتافات رعدية و تهتك ستار الصمت فتلتحم بأرواح الثوار فتخرج العدالة من مغارتها و قد استعادت عنفوانها التليد و ترفرف بمنعة حول أبنائها الأبرار و تغرس في روعهم الآنفة و الآباء اعتراه سيل من الانفعال الجامح وهو يصافح ببصرة طلعة رفاقه..اندس بينهم و أحس بمرجل الغضب يغلي في صدره، و يزأر كلبوءة مفترسة فقدت صغيرها..طربت البراكين لما لمحت الرفاق يرفعون قبضاتهم إلى الأعلى و يلحون بها أكثر فأكثر وودت لو نبهتهم إلى دوريات الكلاب التي بدأت تحاصر المكان..
انحسرت الهتافات لتفسح المجال لكلمة رنانة كشفت سوءة وضعية مزرية يبصق فيها على أبسط حقوق الإنسان: العمل و أعلنت بأن المعطلين عازمين على القيام بمسيرة احتجاجية للتنديد بهذه المهزلة، جماهير غفيرة على الجانب الأخر من الرصيف تتابع الأحداث بفضول شديد و يمنعها الجبن و الوجل من الالتحام بالمناضلين لاسيما والكلاب بدأت تكشر عن نيوبها و تقترب من الغاضبين رويدا رويدا..عاصفة الهتافات تهذر من جديد و النفوس تخطوا على جسر التحدي لتحطيم الأغلال و معانقة الحرية الهراوات وحش أعمى يفتك بالجميع بلا رحمة، الأيادي ترجم بالحجارة..حملت الأرض أنهارا من الدماء و كتب اسم المولود المرتقب على جبين الزمان بحروف من النيران.
عادل أوتنيل
الجمعة، 3 أبريل 2009
الأحد، 29 مارس 2009
عن الحب والموت
/ قصيدة للشهيد الشيوعي المغربي عبد اللطيف زروال
عبد اللطيف زروال قائد شيوعي ، ماركسي لينيني من ابرز قيادي منظمة الى الامام الماركسية اللينينية المغربية و عضور كتابتها الوطنية ، استشهد زروال تحت سياط الجلادين بالمعتقل السري سيء الدكر "درب مولاي الشريف " , وكانت جملة : * أموت فداك يا وطني * آخر ما انطبقت عليه شفاه الشهيد لحظة استشهاده اثناء التعديب و كان دلك بتاريخ : 14 نوفمبر 1974. .
عبد اللطيف زروال قائد شيوعي ، ماركسي لينيني من ابرز قيادي منظمة الى الامام الماركسية اللينينية المغربية و عضور كتابتها الوطنية ، استشهد زروال تحت سياط الجلادين بالمعتقل السري سيء الدكر "درب مولاي الشريف " , وكانت جملة : * أموت فداك يا وطني * آخر ما انطبقت عليه شفاه الشهيد لحظة استشهاده اثناء التعديب و كان دلك بتاريخ : 14 نوفمبر 1974. .
نقدم الى القراء احدى قصائد الشهيد عبد اللطيف زروال شهيد الحركة الشيوعية الاممية شهيد الشعب المغربي ، القصيدة حول الحب و الموت , كان قد كتبها و نشرت على صفحات مجلة أقلام سنة 1972 .
الصورة:
تعود في كل العصور و الألوان و الفصول
تعود كالفراش للحقول
تعود من شاطئ الموت محارة
غيمة ماطرة ......شرارة
نقية كقطرة ندى في ريش عصفورة
أراها تلملم شظايا المرآة المكسورة
و إطار الصورة,
تعود للحب , بعد الموت , صبية
تغمر وجه العاشق,بالقبل الندية
هاهي فراشة تطير
تغمر جسد القتيل بالزهور
وتصبح راقصة في النور
هي هنا في مملكة الأبد
روح شفافة بلا جسد
حلت بروحي .....تقطرت شهدا في فمي
فسقط المطر ....و أنضرت الغابة
فلماذا ....حين مددت لها يدي المرتجفة
انقطع الخيط ...؟
و طارت من الشرفة.....
العاشق:
جبت عنها ارض الأسطورة و الخرافة
أسأل الريح و المنجم و العرافة
نمت على كل الأرصفة...
أحمل قلبي على كل شرفة
أعبر كل المضايق و الجسور
أحمل حبها في كل العصور
اتبع طيفها في زحام العالم الكبير
أدرع الموانئ و البحار
احفر اسمها في الأمواج و الأصداف
ما جمعت كفاي غير المحار
عانيت الموت و الظمأ و الدوار
و تمزقت ... وقاتلت في كل الجبهات
و لذت بالفرار
آه يا حبها .. وحدي على انتظار
تكسر السيف و جف الزاد
و يبست شفتاي من الإنشاد
من يمنحني قلبه ساعة الطحان؟
وحدي على انتظار..
حين تأفل شمس النهار
أعبر إليك الأسوار
امسك بالخيط الذي يهتز...
يسقط الخيط عنكبوتا على الجدار
ارتد إلى يأسي ممزقا منهار
الحب , يا رفيقتي, صليب الين يحبون و يظلون
يحفرون في الجدار, حتى يسقط او يسقطون
الحب , يا رفيقتي, مجازفة ...
و ليس غير السيف من يعيدني إليك
ليس غير السيف من يديب جليد المسافة
الشهيد :
ها انا دا اسقط في الساحة
احمل قلبي . وردة حمراء, تنزف دما
ها أندا عريان, ازحف فوق القتلى
و ألم أطرافي..كي امسك بالراية الممزقة
و انفخ بدمي في رماد الشرارة المحترقة
ها أندا ادفع الضريبة
فلتباركي موتي ..يا حبيبة
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)