الجمعة، 10 أبريل 2009

قصتان قصيرتان جدا بقام محمد سعيد الريحاني

قصتان قصيرتان جدا بقلم محمد سعيد الريحاني



-1-

فراسة

كان الشاب يسرع الخطى وهو يدخن سيجارة تجاور حمرة لهبها شفتيه ويتأبط قنينة خمر رخيص متجها نحو ماخور تنادي من نوافذه المومسات على المارة كما ينادي الباعة المتجولون على الزبناء حينما أوقفته كلمات شيخ تعلو ملامحه علامات دراسة الفراسة:
- "أراك وحيدا ومدمنا ومبتلى!"...
وحين توقف الفتى وجمد مكانه، واصل الشيخ:
- "التدخين للمتوترين، ومعاقرة الخمر للأشقياء، وارتياد المواخير للخجولين، وإدمان الوحدة للمنبوذين!"...
ثم انصرف تاركا الشاب يتفرس صورة وجهه منعكسة على زجاج قنينة الخمر الرخيص المطلة من تحت إبطه.




-2-

غابة

أحاطت به عصابة الفجر من كل جانب وقال له أعضاؤها قول رجل واحد:
- "اخرج ما في جيوبك وإلا فلن تلوم غير نفسك!"...
انتبه للسكاكين حول عنقه وخاصرته وظهره وبطنه وأعطاهم ما في جيبه من أوراق نقدية حتى إدا ما أخلوا سبيله وانصرفوا قصد أقرب مخفر للشرطة ليحتج عن الأمن الغائب في البلد وعن الوطن الذي صار غابة وعن غربة المواطن في غياب أي حماية اللهم الرعاية الإلهية التي أعمت اللصوص عن المال الذي لا زال يحتفظ به في جواربه.
أنهى الضحية احتجاجه على الشرطي داخل المخفر وخرج يرغد ويزبد.
في الباب، طوقته نفس العصابة بنفس الأسلحة البيضاء وقال أعضاؤها قول رجل واحد:
- "هات المال الذي لا زلت تحتفظ به في جواربك!"...

الأربعاء، 8 أبريل 2009

اللعـبــة

في يوم من أيام الربيع الريان، فصل الهواء العليل و الخضرة و النسيم البليل و النضرة ، جلس مصطفى السعداوي وحيدا في الحديقة العمومية يطالع الجريدة بنهم و شره كعادته اليومية ترى لماذا يداوم على قراءة الجريدة ؟ لطالما ظل صدى هذا السؤال يتردد في نفسه فلم يستطع جوابا، ربما ليطرد شبح البطالة الجاثم على صدره و الكاتم لأنفاسه.. انه أمل ضعيف فهو متأكد باستحالة حصوله على عمل في البلد و لو انطبقت السماء على الأرض، و ربما تمكنت هذه العادة في نفسه، لأنها تتيح له الاطلاع على أحدث فنون الخداع و أساليب التمويه و طرائق التهريج و التهويش التي اهتدت إليها الأحزاب السياسية . و أتعبت القراءة عيناه، فألقى بالجريدة جانبا، ثم أشعل سيجارة في حركة عصبية و نفث دخانها في الفضاء، و كأنه ينفث همومه وأحزانه،آه!! لقد ضاع بين أمواج الحياة و غدا غريقا ينتظر قارب النجاة و سرحت به الذكريات بين سراديبها القاحلة ان كان يندم على شيء إنما يندم على وهم عاشه.. وهم اسمه البطولة.. نعم لقد قضى خمس سنوات من عمره في المعتقل بسبب ذلك الوهم الكبير.. خمس سنوات اغتصبت من زهرة شبابه و حرمته من التقدم في مساره الجامعي.. خمس سنوات و هو يعتبر نفسه بطلا، لم يستطع التعذيب الوحشي الحيواني أن يزحزحه عن أفكاره قيد انملة و لم تستطع كلمات السباب و اللعان أن تحطم معنوياته الجبارة، بل لقد كتب كلمات الزعماء السياسيين بحروف من دمه على جدران المعتقل . و ظل يحلم ويحلم بفجر جديد يبدد سواد الليل البهيم و يطرد خفافيش الظلام و انفتح باب الحرية، و خرج.. و يا ليته ما خرج.. خرج فانكسرت أحلامه العريضة على صخور الحقيقة المرة المريرة فلا زالت . المحسوبية و الزّبونية هي الأسلحة الفتّاكة للحصول على عمل محترم، و لا زالت الذئاب تعوي و تنهب أموال البلاد و العباد بتشجيع و تصفيق من الحكام المنغمسين في إقامة الأفراح والليالي الملاح، و الأدهى من هذا كله أن الزعماء الذين تشبع بأفكارهم و آمن بمبادئهم لم يكونوا سوى حثالة من اللصوص المنافقين يتلونون بسهولة كالحرباء، فيشتمون بلسان، و يلعقون الأحذية بلسان آخر!! يواسون المظلوم ببضع كلمات و يشدون على أيدي الظالم و يهنئونه، و لكن مهلا!! لقد قبض عليه، لأنه لم يدرك بأن للعبة قواعدها و أصولها و خطوط حمراء لا يجب تجاوزها، أما الآن فهو مصر على اللعب بروح رياضية جديدة و سيتفادى - قدر المستطاع- الفخاخ المنصبة للأغبياء!! و مر أمامه تلاميذ يلهون و يعبثون، فشيعهم بابتسامة ذات مغزى، ثم تأبط الجريدة و غادر المكان قبل أن يبسط الليل جناحه و يستوي على عرشه .
عادل أوتنيل